محمد بن جرير الطبري

174

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى إلى قوله : وَساءَتْ مَصِيراً ، . قال أبو جعفر : وأولى التأويلين في ذلك بما دل عليه ظاهر الآية قول من قال : كانت خيانته التي وصفه الله بها في هذه الآية جحوده ما أودع ، لأن ذلك هو المعروف من معاني الخيانات في كلام العرب ؛ وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من معاني كلام العرب ما وجد إليه سبيل أولى من غيره . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ يعني بذلك جل ثناؤه : وَلا تُجادِلْ يا محمد فتخاصم عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ يعني : يخونون أنفسهم ، يجعلونها خونة بخيانتهم ما خانوا من أموال من خانوه ماله وهم بنو أبيرق ، يقول : لا تخاصم عنهم من يطالبهم بحقوقهم ، وما خانوه فيه من أموالهم . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً يقول : إن الله لا يحب من كان من صفته خيانة الناس في أموالهم ، وركوب الإثم في ذلك وغيره ، مما حرمه الله عليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، وقد تقدم ذكر الرواية عنهم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ قال : أختان رجل عما له درعا ، فقذف بها يهوديا كان يغشاهم ، فجادل عم الرجل قومه ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم عذره ، ثم لحق بأرض الشرك ، فنزلت فيه : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى الآية . القول في تأويل قوله تعالى : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً يعني جل ثناؤه بقوله : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ يستخفي هؤلاء الذين يختانون أنفسهم ما أوتوا من الخيانة ، وركبوا من العار والمعصية من الناس الذي لا يقدرون لهم على شيء إلا ذكرهم بقبيح ما أوتوا من فعلهم وشنيع ما ركبوا من جرمهم إذا اطلعوا عليه حياء منهم ، وحذرا من قبيح الأحدوثة . وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ الذي هو مطلع عليهم ، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ، وبيده العقاب والنكال وتعجيل العذاب ، وهو أحق أن يستحيا منه من غيره ، وأولى أن يعظم بأن لا يراهم حيث يكرهون أن يراهم أحد من خلقه وَهُوَ مَعَهُمْ يعني : والله شاهدهم ، إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ يقول حين يسوون ليلا ما لا يرضى من القول فيغيرونه عن وجهه ، ويكذبون فيه . وقد بينا معنى التبييت في غير هذا الموضع ، وأنه كل كلام أو أمر أصلح ليلا . وقد حكي عن بعض الطائيين أن التبييت في لغتهم التبديل ، وأنشد للأسود بن عامر بن جرير الطائي في معاتبة رجل : وبيت قولي عبد المليك * قاتلك الله عبدا كنودا بمعنى : بدلت قولي . وروي عن أبي رزين أنه كان يقول في معنى قوله : " يبيتون " يؤلفون . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي رزين : إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ قال : يؤلفون ما لا يرضى من القول . حدثنا أحمد بن سنان الواسطي ، قال : ثنا أبو يحيى الحماني ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي رزين ، بنحوه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي رزين ، مثله . قال أبو جعفر : وهذا القول وروي عن أبي رزين . . . شبيه المعنى بالذي قلناه ، وذلك أن التأليف هو التسوية والتغيير عما هو به وتحويله عن معناه إلى غيره . وقد قيل : عنى بقوله : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ الرهط الذين مشوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة المدافعة عن بني أبيرق والجدال عنه على ما ذكرنا قبل فيما مضى عن ابن عباس وغيره . وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً يعني جل ثناؤه : وكان الله بما يعمل هؤلاء